فخر الدين الرازي
38
تفسير الرازي
سالكها لا ينام خوفاً منها الثاني : أن السراب يجري فيها من قولهم عين ساهرة جارية الماء ، وعندي فيه وجه ثالث : وهي أن الأرض إنما تسمى ساهرة لأن من شدة الخوف فيها يطير النوم من الإنسان ، فتلك الأرض التي يجتمع الكفار فيها في موقف القيامة يكونون فيها في أشد الخوف ، فسميت تلك الأرض ساهرة لهذا السبب ، ثم اختلفوا من وجه آخر فقال بعضهم : هي أرض الدنيا ، وقال آخرون : هي أرض الآخرة لأنهم عند الزجرة والصيحة ينقلون أفواجاً إلى أرض الآخرة ولعل هذا الوجه أقرب . * ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * ذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن وجه المناسبة بين هذه القصة وبين ما قبلها من وجهين : الأول : أنه تعالى حكى عن الكفار إصرارهم على إنكار البعث حتى انتهوا في ذلك الإنكار إلى حد الاستهزاء في قولهم : * ( تلك إذاً كرة خاسرة ) * ( النازعات : 12 ) وكان ذلك يشق على محمد صلى الله عليه وسلم فذكر قصة موسى عليه السلام ، وبين أنه تحمل المشقة الكثيرة في دعوة فرعون ليكون ذلك كالتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم الثاني : أن فرعون كان أقوى من كفار قريش وأكثر جمعاً وأشد شوكة ، فلما تمرد على موسى أخذه الله نكال الآخرة والأولى ، فكذلك هؤلاء المشركون في تمردهم عليك إن أصروا أخذهم الله وجعلهم نكالاً . المسألة الثانية : قوله : * ( هل أتاك ) * يحتمل أن يكون معناه أليس قد * ( أتاك حديث موسى ) * هذا إن كان قد أتاه ذلك قبل هذا الكلام ، أما إن لم يكن قد أتاه فقد يجوز أن يقال : * ( هل أتاك ) * كذا ، أم أنا أخبرك به فإن فيه عبرة لمن يخشى . المسألة الثالثة : الوادي المقدس المبارك المطهر ، وفي قوله : * ( طوى ) * وجوه : أحدها : أنه اسم وادي بالشام وهو عند الطور الذي أقسم الله به في قوله : * ( والطور * وكتاب مسطور ) * ( الطور : 2 , 1 ) وقوله : * ( وناديناه من جانب الطور الأيمن ) * ( مريم : 52 ) والثاني : أنه بمعنى يا رجل بالعبرانية ، فكأنه قال : يا رجل اذهب إلى فرعون ، وهو قول ابن عباس والثالث : أن يكون قوله : * ( طوى ) * أي ناداه * ( طوى ) * من الليلة * ( اذهب إلى فرعون ) * لأنك تقول جئتك بعد * ( طوى ) * أي بعد ساعة من الليل والرابع : أن يكون المعنى بالوادي المقدس الذي طوى أي بورك فيه مرتين . المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو * ( طوى ) * بضم الطاء غير منون ، وقرأ